وسط العلويين
يمكن للمرء التعرف علي معقل الطائفة العلوية في سوريا من خلال الجنائز . ففي مدينة القرداحة في محافظة اللاذقية الجبلية، مسقط رأس اسرة الاسد، شاهدت دراجتين ناريتين تابعتين للشرطة تصعدان إلى ارتفاع التل وقد وضعت على زجاجها الامامي صور لبشار الأسد. يتبعهما سيارة إسعاف، تحمل جثة عقيد من أمن الدولة.أثناء مرور القافلة،اطلق الرجال من حولي رشقات نارية من نيران الأسلحة الآلية. شعر المرشدين المرافقين لي من البلدة بالحرج لاني شاهدت هذا المشهد وذكرا لي أنها كانت المرة الأولى التي تحدث."انه شهيد لذلك فنحن نعتبره عرسا " . تلاميذ المدارس والمعلمين الذين كانوا يقفون علي جانبي الطريق كانوا يلقون بالأرز وبتلات الزهور ويهتفون "لا اله الا الله الشهيد حبيب الله "و سار مئات من المشيعين يرتدون الاسود في شوارع القرية إلى ضريح القرية وصاحوا. "أهلا، يا شهيد، . نحن لا نريد غير الأسد".
كان شهر ابريل الماضي هو شهري السادس في جولتي داخل سوريا. بعد أن غادرت الجنازة سمعت عن جنازة أخري ليست بالبعيدة، في قرية رأس العين، بالقرب من الساحل. قرية مكونة من سبعة آلاف شخص فقدت الآن سبعة شهداء من قوات الأمن، وستة في عداد المفقودين أو الأسرى و الكثير من الجرحى . قال أحد الضباط "كل يوم لدينا شهداء . "انها تضحية من أجل الوطن.". وتحدث آخر عن "جرائمهم"، وقال "انهم" قتلوا الجندي لأنه علوي.. أحد المرشدين المرافقين لي وبخه بسبب حديثه لي عن الصراع من الناحية الطائفية . وقال جندي اخر "المعارضة لم تترك لنا خيارا ..انهم لا يقبلون الا بالقتل ".
الطائفة العلوية هي أحد الطوائف الشيعية التي تنتمي اليها عائلة الأسد والتي لا تزال هي أكثر الطوائف الموالية للرئيس بشار الأسد وتشكل 10 % من سكان سوريا . وغالبية السوريين -حوالي 65 % - من السنة العرب . والطائفة العلوية هي واحدة من عدة أقليات بجانب الأكراد السنة والمسيحيين والدروز والشيعة من غير العلويين والطائفة الاسماعيلية . لكن الطائفة العلوية كان ينظر اليها دائما علي أنها حالة خاصة فالعلويين ليسوا ملمين بتعاليم العقيدة العلوية .لكن ايمانهم بتناسخ الارواح والتجسد وألوهية سيدنا علي ابن عم الرسول صلي الله عليه وسلم -في ثالوث يجمع سيدنا علي وسيدنا محمد والصحابي سلمان الفارسي جعلت العلويين يخرجون عن الاسلام . ومعظم العلويين يرون الدين كتعبير عن الهوية أكثر منه عقيدة راسخة .
تشكلت الهوية العلوية نتيجة عقدة الأقلية والخوف من هيمنة السنة . .ويفضل العلويين أن يعيدوا تكرار قصة الظلم الذي تعرضوا له . كتب المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو "العلويين لم يكونوا مرغوب فيهم وتعرضوا تحت الحكم العثماني للانتهاكات وصبت عليهم اللعنات والابتزاز وفي بعض الأحيان كانت تؤخذ نسائهم وأطفالهم سبايا ويتخلصون منهم ببيعهم . .". كانوا من الناحية العملية عبيدا للامراء الاقطاعيين الذين عينهم العثمانيين . ولم تضمحل النخبة السنية الا عندما بدأ الانتداب الفرنسي سنة 1920 وبدأت الاقليات ومن ضمنها الطائفة العلوية تتمتع بقدر من الحراك الاجتماعي . وتوسل العلويين أن يمنحهم الفرنسيين دولة مستقلة تحميهم من سطوة الطائفة السنية ولكن دون جدوي .
وجد العلويين في فكرة القومية العربية التي تبناها حزب البعث الذي استولي علي السلطة في انقلاب سنة 1963 وسيلة لتجاوز الهوية الطائفية ومنحهم الجيش والخدمة المدنية وسيلة للخروج من قراهم الفقيرة.. وسرعان ما بدأت جميع طوائف الشعب من ذوي الخلفيات الريفية، والعلويين خاصة، للسيطرة على صف الضباط والأكاديميات العسكرية. وفي سنة 1971 قاد حافظ الأسد العلوي والقائد السابق للقوات الجوية والذي أصبح وزيرا للدفاع انقلابا ضد منافسه البعثي .وعندما توفي الأسد سنة 2000 بعد 30 عاما من حكم سوريا تولي ابنه بشار .في تلك الفترة تحول العلويين من أقلية مهمشة الي أقلية تحظي بحماية الدولة وتحولت الدولة في المقابل الي حصن للدفاع عن الهوية العلوية . كتب بطاطو في عام 1981 " يشكل العمل من أجل التلاحم في المرحلة الحالية خوفا كبيرا في أوساط العلويين من جميع الاتجاهات والرتب من العواقب الوخيمة التي ستحل علي العلويين بعد سقوط النظام الحالي ".
تاريخيا كان العلويين يقفون علي هوامش الاسلام حتي أن الأسد الأب اضطر الي "أسلمتهم " حتي تقبله الغالبية السنية حاكما عليها . ويري العلويين أنفسهم أكثر "ليبرالية" وعلمانية من بقية المسلمين ويشيرون الي تناولهم الكحول، واللباس الغربي للمرأة العلوية واختلاطها بالرجال . وأحيانا يستخفون بأهل السنة الأكثر منهم التزاما . يتذكرون انتفاضة الاخوان المسلمين سنة 1980 ويعتبرونها فترة ساد فيها العنف الطائفي سحق فيها النظام الارهابيين ويراها السنة فترة ساد فيها وحشية النظام وتم استهدافهم بشكل جماعي . في هذه الأيام من الصعب أن تجد عضوا من المعارضة السنية الذين لم يفقد أحد أعمامه أو يسجن له أب أو جد في عمليات القمع التي تلت تلك الانتفاضة . والمعارضة لم تقل حتي الان ماذا ستفعل حيال مئات الرجال في قوات الأمن اذا سقط النظام الحالي حيث يري العلويين أن لديهم من الاسباب ما يدعوهم للخوف .
أقام الموالون للنظام في محافظة طرطوس الساحلية وأجزاء أخرى من معقل العلويين عدد لا حصر له من نقاط التفتيش الجديدة في حراسة الجيش السوري أو من أفراد القوات شبه العسكرية من اللجان الشعبية في مزيج من ملابس مدنية والعتاد العسكري. قامت القري بتسليح نفسها .في مايو زرت بلدة الشيخ بدر الجبلية في محافظة طرطوس. قتل ثلاثة وأربعين من قوات الأمن من سكان المدينة و تم القبض على سبعة آخرين أو في عداد المفقودين.وأثناء وجودي في مكتب رئيس البلدية وصلت اليه أنباء عن احضار أحد الجنود الجرحي . وقد قتل أول شهيد في بلدة الشيخ بدر في مدينة درعا في شهر أبريل 2011 بعد مرور شهر علي اندلاع الانتفاضة . واخر شهيد كان عقيدا قتل في دمشق ودفن قبل يومين من زيارتي .
تلك المدينة مشهورة بضريح الشيخ صالح العلي وهو شخصية ضد الاستعمار وحارب الفرنسيين.وقال رئيس البلدية وهو يردد علي مسامعي جزء من خطاب الشيخ صالح الذي يحفظه وأحد رجال الأمن في المدينة واسمه أبو حيدر يصغي اليه "في خطاب شهير رفض فكرة الدولة العلوية المستقلة لأنه يحب هذا البلد،" . وقال رجل الأمن "نحن لا نؤمن بحافظ الأسد لأنه كان علويا ولكن لأنه كان وطنيا عظيما، . هل بامكان أي نظام أن يحكم شعبا لمدة أربعين عاما دون رضاه؟" . وعندما سألت رئيس البلدية كيف سيكون رد فعله اذا جاء رئيس غير بشار ليحكم سوريا تهرب من السؤال . فككل العلويين الذين التقيت بهم لا يمكنه تخيل رئيس غير الأسد . وتساءل أحد الرجال الموجودين معه لماذا يساند الغرب الاسلاميين - في ليبيا وتونس ومصر والمملكة العربية السعودية وأماكن أخرى - بدلا من الحركات الأكثر علمانية وتقدمية . رئيس البلدية، مثل العديد من أنصار النظام، يعتقد ان هناك مؤامرة اسلامية في المنطقة. فالانتفاضة في تونس ومصر وليبيا بالنسبة له ليست ثورة عفوية ولا احتجاجات شعبية ولكن مؤامرة منظمة مرتبطة بالولايات المتحدة والاخوان المسلمين ودول الخليج العربية . وقال واحد من الرجال "هذه ليست حركة شعبية، هذه حركة سلفية، " . وتساءل أبو حيدر " ماذا حققت الثورات في تونس وليبيا ومصر؟ ". صعود الاسلاميين الي السلطة في تلك البلدان جعل المناصرين للحكومات يشعرون بمزيد من عدم الارتياح لفكرة احتمال تغيير النظام .
سألت رجال الأمن لماذا لم يبدأ بشار في اصلاحاته الخجولة الا بعد قيام المظاهرات الاحتجاجية في مارس 2011 فجاء الرد من أبو حيدر كرد جميع المناصرين للنظام وهو أن أحداث 2003 (غزو العراق ) و 2005 ( اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني والانسحاب السوري من لبنان ) و 2006 ( حرب اسرائيل علي لبنان ) و2008 (الاقتتال الداخلي في لبنان ) منعتنا من اجراء الاصلاحات . سألتهم هل تقتل قوات الأمن المتظاهرين العزل . أجاب الجميع بالنفي وأصروا علي أن النظام قد حظر استخدام الأسلحة ضد المتظاهرين.كنت أعرف أنهم يكذبون . ففي خلال ستة شهور في سوريا حضرت أكثر من مئة مظاهرة للمعارضة وتعرضت لاطلاق النار في الكثير منها . وذات مرة كان يقف بجانبي شاب كان يلقي بالحجارة وأطلق عليه النار وقتل .
لكي أسافر بأمان في المناطق الخاصة بالعلويين استأجرت رقيب من أمن الدولة خارج الخدمة اسمه أبو ليث وهو من سكان مدينة ربيعة الواقعة في ريف محافظة حماة . وخلال الفترة التي عرفته فيها لم يكن يأكل بل يدخن النرجيلة في كل فرصة سانحة ودائما ما يجري مكالمات تليفونية لعقد الصفقات فقد كانت مهنته الاخري هي تهريب السجائر . راتبه 17000 ليرة في الشهر .وقال لي "لا يوجد لدينا وساطة في الدولة " وبالتالي ليس في امكانه الحصول علي وظيفة مدنية . "لا نجد عملا الا في الجيش أو الشرطة " . وعن طريق تهريب كراتين السجائر يمكنه الحصول من 1000 الي 1500 ليرة في اليوم . لديه كثير من الاخوة في الجيش والشرطة . عندما كنا نسير بالسيارة في أماكن كان يجهلها كان يسأل الناس كيف يتحاشي المرور في بلدات يقطنها السنة . وفي بعض المناطق كان السكان يصنعون طرقا ملتوية عبر المدن العلوية والمسيحية ويرسمون اسهما علي جدران القرية للاشارة الي القرية التالية حتي يتحاشي سائقي الاوتوبيسات وغيرهم المرور علي معاقل المعارضة . وعندما كنا نقترب من المناطق السنية كان أبو ليث يقوم بحشو مسدسه . وأوضح لي قائلا "حتي لا أضيع هباءا . المهم ألا تضيع هباءا . ". وذكر لي أن حوالي مئة من رجال الأمن في المنطقة قتلوا ومئتين جرحوا وخمسة من أبناء عمومته قتلوا .
أغلب الرجال في ربيعة يخدمون في الجيش أو قوات الأمن في أماكن أخري في الوطن والكثير منهم يعيشون في التجمعات السكنية المخصصة للجيش أو يسكنون في الأحياء العلوية الخاصة بالطبقة العاملة في دمشق الكبري . منطقة القدسية في دمشق بها منطقتين مخصصتين للعلويين احداهما تسمي الورود والاخري أطلقوا عليها اسم الحرس الجمهوري حيث يقطن جنود الحرس الجمهوري . كلا المنطقتين تجاوران الأحياء الخاصة بالطبقة العمالية السنية وكانت هناك مناوشات تقع بين الطائفتين منذ اندلاع الاتفاضة . كثير من المباني في حي الورود أقيمت علي عجل وبشكل غير قانوني علي أراضي الدولة . وتغض السلطات الطرف عن تلك المناطق السكنية الغير رسمية لأن سكانها من أعمدة قوات الأمن . وهنا كما في معظم القري تجد القليل من الطرق المعبدة وندرة الخدمات . وبرغم الاهمال الذي يتعرضون له ظلوا مناصرين للنظام وحراسه المخلصين في الشوارع . كان رجال الأمن الذين يتجولون معي يؤكدون علي الفقر الذي تعاني منه المنطقة ليثبتوا لي أن العلويين لم يستفيدوا من النظام . ‘لم نطلب شيئا ولا نريد شيئا . فقط نريد الأمن ‘.
عندما أخذني أبو ليث الي ربيعة نفسها انتشر خبر وصولنا بسرعة . نظم الآلاف من سكان البلدة مظاهرة عفوية يبدو فيها اخلاصهم الواضح للنظام في وسط البلدة بجوار تمثال لحافظ الأسد يمسك بالسيف وغصن الزيتون . أقيم التمثال الذي دفع ثمنه الأهالي بعد بداية الانتفاضة .خلف التمثال ملصق كبير لحافظ وبشار الأسد وكتب عليه "ربيعة في عرين الأسد " . أخذوني من منزل لمنزل ليتمكن الناس من ابلاغي و عن أقاربهم الموتي والجرحي وعن شهداء ربيعة ال 42 . قلت لمجموعة من رجال المدينة انني سمعت كلاما مماثلا في معاقل المعارضة التي زرتها مثل بابا عمرو في حمص وأنني سمعت روايت مماثلة عن أباء وأبناء استشهدوا .قال عقيد في الجيش قتل ابن أخيه في ادلب "أبناءنا كانوا ذاهبين الي أعمالهم . وهناك فرق بين أن تقتل شخصا يقوم بعمله لصالح البلد وقتل شخص مسلح يحمل السلاح ضد الدولة . هل المتظاهرين السلميين هم من قتلوا الضباط الخمسة عند نقطة التفتيش . " .
طوال العام الماضي كان العلويين في ربيعة يشتبكون مع مع القري السنية المجاورة وفي الصيف الماضي لم يتمكن طلبة المدينة من السفر الي مدينة حماة لأداء امتحاناتهم لأن المعارضة سدت الطريق . واستقرت حوالي ثلاثين أسرة علوية كانت تسكن في احدي القري التي يشكل غالبيتها السنة في ربيعة لأنهم فقدوا الأمان للعيش في قريتهم . وأصيبت تلك العائلات بخيبة الأمل من استجابة الحكومة . وقال لي أحد الأشخاص "لم نكن نمتلك السلاح والا قاتلناهم . كان عليهم أن يرسلوا الدبابات لكن المعارضة سدت الطرقات . نريد من الحكومة أن تحل مشكلاتنا وأن يعيدنا الجيش الي بيوتنا . يجب أن يدخل الجيش القري لكن الجيش مشغول في حماة . لماذا تتمهل الدولة . " اتفق والد أبو ليث وهو جندي متقاعد مع هذا الرأي وقال "الجيش وحده هو القادر علي حل هذه المشكله . فلو قمنا بالرد عليهم بأنفسنا سيعتبرونها عنفا طائفيا وستنضم اليهم القري الاخري للدفاع عنهم وسيتفوقون علينا في العدد." .
ومن ربيعة توجهت نحو الشمال الغربي الي قرية العزيزية العلوية النائية التي اشتبكت مع قرية تمانة السنية المجاورة . وكما هو الحال في معظم القري العلوية كان أغلبية رجال القرية يعملون في الجيش أو الشرطة وكل جيرانهم السنة يدعمون المعارضة وكانت جماعات المعارضة المسلحة تقوم بعمليات في المنطقة منذ الربيع المنصرم . أقرب المدن هي مدينة سلهب التي تحوي المئات من الامهات والاطفال المشردين الذين فروا من القرية . لا يوجد ما يشير الي توقف القتال بين العزيزية وتمانة وفي المدينة وجدت عائلات في حالة هيستيرية . صرخت في وجهي امرأة وصلت مؤخرا الي سلهب "لقد غادرنا تحت طلقات النيران .كرامتنا عزيزة !وقائدنا مكرم وهم خونة .نضحي بكل شيئ لأجل بشار !"
اشتكي لي شخص اخر "طالبناهم بالتعزيزات ولم يرسلوها ." .الكل متفق علي أن العلاقات بينهم كانت وثيقة حتي اندلعت الانتفاضة . قالت لي احدي الامهات " كنا جيران نأكل معا ونذهب الي منازل بعضنا ثم كان التحريض الطائفي . كانوا يخرجون في المظاهرات ويسبوننا ". ورغم شعورهم بخيبة الأمل من عدم قدرة النظام علي حمايتهم - تسمع ذلك في كثير من التجمعات العلوية - كانوا يرغبون في ابلاغي بمدي اخلاصهم لبشار . قالت لي احدي النساء "فليقتلونا جميعا ولو لم يبقي منا الا شخص واحد فسيظل يؤيد بشار ." . يا له من تناقض غريب . فالعلويين يرون أنفسهم أفقر السكان حيث منشأهم في القري المتواضعه وتعرضوا للاهمال الشديد من الحكومة في دمشق ومع ذلك يرغبون في الموت في جماعات لنفس الدولة التي يرون أنها فشلت في حمايتهم .
في الأيام الأولي للثورة تعرفت علي الدكتور يحي أحمد وهو شخصية مؤثرة في واحدة من أحياء حمص العلوية . في تلك الفترة كان شغله الشاغل هو العمل بجانب أصدقاءه السنة للحد من التوترات الطائفية . كنت أجلس علي سطح العمارة التي يقطنها أثناء احدي اللقاءات معه عندما فتح أحد القناصة النار علينا فجأة . لم يصب أحد وكان الدكتور ورفاقه يشكون أن يكون القناصة من جماعة المعارضة المسلحة ويرون أنهم من أنصار النظام المتطرفين . عندما التقينا في أوائل هذا العام كانت الأمور قد ساءت - قذائف المورتر
التابعة للمعارضة أصابت المبني مرتين - وكان يقضي أغلب وقته في المدينة المجاورة .تقريبا كل المحال التجارية أغلقت .وذكر لي أن العلويين كانوا يتعرضون للخطف وأن العلويين كانوا يردون بالقوة . سألته كم قتل من العلويين ؟ فأجاب " القتلي والأعداد ؟ .عقارب الساعة توقفت . وأعداد القتلي لم يعد ذا أهمية " . أصدقائي في المعارضة قالوا لي نفس الشيئ عن قتلاهم .
واصل يحي قائلا " المسلحين يسيطرون علي الأمور وأنا أصبحت مسلحا نتيجة لفشل الدولة في توفير الأمن فأصبح لزاما عليا أن أتسلح . وأنت كشخص علوي لا تستطيع أن تضع كل ثقتك في الدولة . فماذا لو نام الشرطي الموجود في نقطة التفتيش " . لقد تغير موقف يحي . " لو سألتني من عام مضي من يحل محل بشار كرئيس لقلت لك فلان وفلان . لو سألتني اليوم فسأقول لك لن أقبل بغير بشار رئيسا " . لكن كانت هناك نفس الازدواجية التي يجدها المرء لدي كل العلويين . " بشار أضعف من دور الأمن في الحياة اليومية وهذا أحد الأسباب للموقف الموجود فيه " .. أردت أن يعترف لي بالحصيلة الضخمة من القتلي المدنيين التي نتجت عن عمليات القمع . قال لي " الأبرياء يقتلون دائما ولا تستطيع أن تفرق بين الهدف البرئ والغير برئ . هل تعتقد أن هناك سلطة في العالم لن تحمي نفسها ؟ " .
ذكر لي أحد الشخصيات الأمنية البارزة المسؤل عن حمص وأماكن أخري أن ثمانون ضابطا وضباط الصف كانوا معتقلين لارتكابهم ’أخطاء ’ - اعتداءات وفظائع وتعذيب - و 10 منهم سيحكم عليهم بالسجن 15 عاما . هذا التصريح يبدو بلا معني أمام عنف النظام ضد المدنيين . ( فلو قامت أجهزة الأمن بأي مبادرة لتأديب العاملين لما تفشت هذه الجرائم ) .ولم يخطئ العلويين عند شعورهم أن الدولة في حيرة في أمرها لتتدبر أمر حمايتهم نتيجة للغضب الشديد من عمليات القمع التي ترتكبها . فهذا الشعور هو الذي أدي الي زيادة الميليشيات القوية المتزايدة الموالية للنظام الذين يتصرفون دون مساءلة وكأن لديهم حصانة ويسببون الحرج للنظام . هذه الميليشيات هي المسؤلة عن المزابح التي أرتكبت في حمص وحماة .لكن بشار ليس في وضع يسمح له بالتصدي لأنصاره الأشداء والأكثر ولاءا له . وذكر لي مهندس في حمص وهو علوي انضم الي المعارضة أن أول مرة رأي فيها عصابات الموالين في الشارع في مارس 2011 . وقال ‘كانت جماعات عشوائية لم يتم تنظيمها .فقط كانت لديهم نوادي خاصة بهم ولكن في شهر يوليو تم تنظيمهم والان يعملون لحسابهم الخاص . أخطر ما في الحروب الأهلية هم الناس الذين يعيشون علي تلك الحروب ويعتمدون عليها ماليا . رأيت ذلك في لبنان . وفي حمص هناك حرب أهلية مفتوحة . ‘.
في أيام حافظ الاسد كان مصطلح شبيحة يعني المجرمين المنظمين والمهربين الذين يتعاونوا مع اجهزة الأمن وبعضهم كان جزءا من قبيلة الأسد - أخو بشار معروف عنه أنه سحق وسجن عناصر من شبيحة الأسد عندما خرجوا عن السيطرة - وجميع الشبيحة ينتمون الي الطائفة العلوية . وعند بداية الانتفاضة كانت كلمة شبيحة تعني الميلشيات الموالية للنظام وفي بعض الأحيان الموالين للحكومة . ثم بدأنا نسمع في المظاهرات الموالية للنظام أتباع النظام يهتفون :‘نحن الشبيحة .اللعنة علي حريتكم ‘ .يوجد الاف من الشبيحة أو اللجان الشعبية في الأحياء العلوية في حمص كما ذكر لي أحد ضباط الأمن . وقال لي أنهم لا يتلقون أموالا علي أعمالهم ولكنهم يتلقون رواتبهم رغم أنهم لا يذهبون الي أعمالهم . هم يتبعون رؤساء المدن المحليين . وقال وهو يذكر اثنين من الأحياء السنية ‘بامكانهم القبض علي شخص من البيضا أو الخالدية ويسلمهم الي قوات الأمن فهم ينسقون مع الأمن ’
المهندس الذي انضم الي المعارضة كان أكثر صراحة : ’الشبيح هو شخص يحب بشار أكثر من بشار نفسه . الشبيح هو ثقافة وليس شخصا . هو يشعر أنه فوق القانون بل هو القانون نفسه . وبامكان الحكومة الان السيطرة عليهم ولكني لا أعلم هل ستتمكن من السيطرة عليهم في المستقبل . الحكومة تستغلهم الان .الحكومة هي من فعلت ذلك . ' . وأضاف أن العلويين الذين ينضمون للمعارضة يعتبرونهم خانوا الطائفة ..بعض العلويين الذين كان لهم نشاط مع المعارضة في حمص مثله قتلوا علي يد المليشيات الموالية في شهر ابريل 2011 في الميادين الرئيسية لحمص واحدي الاعتصامات التي حوت مزيد من العلويين انتهت بمزبحة علي يد قوات الامن واللجان الشعبية .
ماذا سيحل بالعلويين لو سقط النظام .وماذا سيحل بأنصار بشار ككل هما سؤالان مختلفان . فأنصار بشار يحتوون أقليات أخري غير العلويين ناهيك عن السنة أنفسهم . منذ البداية كانت الحكومة تصرح أن المعارضة تحركها الطائفية وأنها امتنعت عن اظهار الطائفية . ويقول الموالون للنظام أنهم متنوعون بينما المعارضة كلهم سنة تقريبا .ومع ذلك هناك ضباط سنة في وحدات الجيش الرئيسية مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وقد أقر الكثير من المفكرين في المعارضة أنه لو كان المؤيدين للحكومة من العلويين فقط لسقط بشار منذ زمن . ولو تحول هذا الصراع الي صراع بين السنة والعلويين لفقدت الحكومة تأييد السنة ولاكتفت الحكومة بنسبة 10 % من السكان وبعض من تبقي من الأقليات الاخري .
عندما سألت ابو راتب قائد المجلس العسكري في حمص ماذا سيحدث لقوات الامن والشبيحة ومئات الالاف من العلويين المسلحين اذا سقطت الحكومة فقال لي أنني أبالغ في الارقام . وتوقع بوقوع ما أسماه ‘ مذبحة ‘ ولكنه توقع ظهور بديل لبشار من داخل النظام سيحاول الوصول لتسوية . ‘ بشار هو الشخصية المركزية بالنسبة لهم وسينهاروا بمجرد سقوط بشار وسيفقدون الدافع . ‘ . وبعد فترة انتقالية صعبة ستولد سوريا من جديد . ‘ سوريا حرة وعادلة وديمقراطية ‘ . وقال لي أحد شخصيات المعارضة القيادية في دوما أنه يشعر بالقلق من الاقتتال بين القري السنية والعلوية مثل قرية العزيزية وتمانه . قال : ‘ لا نستطيع القول أن لنا الحق في العيش هنا وهم ليس لهم الحق . لكن بعد انتهاء الثورة سيعود العلويين الي أماكنهم الطبيعية . لن يتملكوا السلطة . ‘ .
ليس واضحا ما هو هذا ‘ المكان الطبيعي ‘ .هل يقصد أن يغادروا المدينة ويعودوا الي مناطقهم الريفية التقليدية ؟ هناك جيل جديد من الكتاب السوريين في الغرب يناقشون بالفعل احتمالية اقامة دولة منفصلة خاصة بالعلويين ولكن لم نسمع من العلويين أنسهم شيئا من هذا القبيل . كانت سوريا منذ زمن طويل بالنسبة لهم مشروعهم المركزي وكان جل همهم ترك قراهم سعيا وراء نوع من الحداثة والتطور . الان أصبح جليا أنه سينتهي بهم المطاف الي شكل من أشكال الجيوب التي تتمتع باستقلال زاتي نتيجة للحرب الأهلية يكون للمعارضة اليد العليا فيها ولكن تلك لم تكن أمانيهم . فهم يعتقدون أنهم يحاربون من أجل مبادئ حزب البعث والقومية العربية . وأي دولة علوية ستقام لن تكون قادرة علي الحياة علي كل حال فالمناطق العلوية القديمة لم يكن بها الكثير من الخدمات وفرص التوظيف وستعتمد تلك المناطق علي المساعدات من روسيا والصين .ربما يكون الحل اللبناني في سوريا حيث كل منطقة تدعمها قوي خارجية هو النتيجة النهائية لكنه هدف لا يصبو اليه أحد .
http://www.lrb.co.uk/v34/n18/nir-rosen/among-the-alawites
تشكلت الهوية العلوية نتيجة عقدة الأقلية والخوف من هيمنة السنة . .ويفضل العلويين أن يعيدوا تكرار قصة الظلم الذي تعرضوا له . كتب المؤرخ الفلسطيني حنا بطاطو "العلويين لم يكونوا مرغوب فيهم وتعرضوا تحت الحكم العثماني للانتهاكات وصبت عليهم اللعنات والابتزاز وفي بعض الأحيان كانت تؤخذ نسائهم وأطفالهم سبايا ويتخلصون منهم ببيعهم . .". كانوا من الناحية العملية عبيدا للامراء الاقطاعيين الذين عينهم العثمانيين . ولم تضمحل النخبة السنية الا عندما بدأ الانتداب الفرنسي سنة 1920 وبدأت الاقليات ومن ضمنها الطائفة العلوية تتمتع بقدر من الحراك الاجتماعي . وتوسل العلويين أن يمنحهم الفرنسيين دولة مستقلة تحميهم من سطوة الطائفة السنية ولكن دون جدوي .
وجد العلويين في فكرة القومية العربية التي تبناها حزب البعث الذي استولي علي السلطة في انقلاب سنة 1963 وسيلة لتجاوز الهوية الطائفية ومنحهم الجيش والخدمة المدنية وسيلة للخروج من قراهم الفقيرة.. وسرعان ما بدأت جميع طوائف الشعب من ذوي الخلفيات الريفية، والعلويين خاصة، للسيطرة على صف الضباط والأكاديميات العسكرية. وفي سنة 1971 قاد حافظ الأسد العلوي والقائد السابق للقوات الجوية والذي أصبح وزيرا للدفاع انقلابا ضد منافسه البعثي .وعندما توفي الأسد سنة 2000 بعد 30 عاما من حكم سوريا تولي ابنه بشار .في تلك الفترة تحول العلويين من أقلية مهمشة الي أقلية تحظي بحماية الدولة وتحولت الدولة في المقابل الي حصن للدفاع عن الهوية العلوية . كتب بطاطو في عام 1981 " يشكل العمل من أجل التلاحم في المرحلة الحالية خوفا كبيرا في أوساط العلويين من جميع الاتجاهات والرتب من العواقب الوخيمة التي ستحل علي العلويين بعد سقوط النظام الحالي ".
تاريخيا كان العلويين يقفون علي هوامش الاسلام حتي أن الأسد الأب اضطر الي "أسلمتهم " حتي تقبله الغالبية السنية حاكما عليها . ويري العلويين أنفسهم أكثر "ليبرالية" وعلمانية من بقية المسلمين ويشيرون الي تناولهم الكحول، واللباس الغربي للمرأة العلوية واختلاطها بالرجال . وأحيانا يستخفون بأهل السنة الأكثر منهم التزاما . يتذكرون انتفاضة الاخوان المسلمين سنة 1980 ويعتبرونها فترة ساد فيها العنف الطائفي سحق فيها النظام الارهابيين ويراها السنة فترة ساد فيها وحشية النظام وتم استهدافهم بشكل جماعي . في هذه الأيام من الصعب أن تجد عضوا من المعارضة السنية الذين لم يفقد أحد أعمامه أو يسجن له أب أو جد في عمليات القمع التي تلت تلك الانتفاضة . والمعارضة لم تقل حتي الان ماذا ستفعل حيال مئات الرجال في قوات الأمن اذا سقط النظام الحالي حيث يري العلويين أن لديهم من الاسباب ما يدعوهم للخوف .
أقام الموالون للنظام في محافظة طرطوس الساحلية وأجزاء أخرى من معقل العلويين عدد لا حصر له من نقاط التفتيش الجديدة في حراسة الجيش السوري أو من أفراد القوات شبه العسكرية من اللجان الشعبية في مزيج من ملابس مدنية والعتاد العسكري. قامت القري بتسليح نفسها .في مايو زرت بلدة الشيخ بدر الجبلية في محافظة طرطوس. قتل ثلاثة وأربعين من قوات الأمن من سكان المدينة و تم القبض على سبعة آخرين أو في عداد المفقودين.وأثناء وجودي في مكتب رئيس البلدية وصلت اليه أنباء عن احضار أحد الجنود الجرحي . وقد قتل أول شهيد في بلدة الشيخ بدر في مدينة درعا في شهر أبريل 2011 بعد مرور شهر علي اندلاع الانتفاضة . واخر شهيد كان عقيدا قتل في دمشق ودفن قبل يومين من زيارتي .
تلك المدينة مشهورة بضريح الشيخ صالح العلي وهو شخصية ضد الاستعمار وحارب الفرنسيين.وقال رئيس البلدية وهو يردد علي مسامعي جزء من خطاب الشيخ صالح الذي يحفظه وأحد رجال الأمن في المدينة واسمه أبو حيدر يصغي اليه "في خطاب شهير رفض فكرة الدولة العلوية المستقلة لأنه يحب هذا البلد،" . وقال رجل الأمن "نحن لا نؤمن بحافظ الأسد لأنه كان علويا ولكن لأنه كان وطنيا عظيما، . هل بامكان أي نظام أن يحكم شعبا لمدة أربعين عاما دون رضاه؟" . وعندما سألت رئيس البلدية كيف سيكون رد فعله اذا جاء رئيس غير بشار ليحكم سوريا تهرب من السؤال . فككل العلويين الذين التقيت بهم لا يمكنه تخيل رئيس غير الأسد . وتساءل أحد الرجال الموجودين معه لماذا يساند الغرب الاسلاميين - في ليبيا وتونس ومصر والمملكة العربية السعودية وأماكن أخرى - بدلا من الحركات الأكثر علمانية وتقدمية . رئيس البلدية، مثل العديد من أنصار النظام، يعتقد ان هناك مؤامرة اسلامية في المنطقة. فالانتفاضة في تونس ومصر وليبيا بالنسبة له ليست ثورة عفوية ولا احتجاجات شعبية ولكن مؤامرة منظمة مرتبطة بالولايات المتحدة والاخوان المسلمين ودول الخليج العربية . وقال واحد من الرجال "هذه ليست حركة شعبية، هذه حركة سلفية، " . وتساءل أبو حيدر " ماذا حققت الثورات في تونس وليبيا ومصر؟ ". صعود الاسلاميين الي السلطة في تلك البلدان جعل المناصرين للحكومات يشعرون بمزيد من عدم الارتياح لفكرة احتمال تغيير النظام .
سألت رجال الأمن لماذا لم يبدأ بشار في اصلاحاته الخجولة الا بعد قيام المظاهرات الاحتجاجية في مارس 2011 فجاء الرد من أبو حيدر كرد جميع المناصرين للنظام وهو أن أحداث 2003 (غزو العراق ) و 2005 ( اغتيال رفيق الحريري رئيس الوزراء اللبناني والانسحاب السوري من لبنان ) و 2006 ( حرب اسرائيل علي لبنان ) و2008 (الاقتتال الداخلي في لبنان ) منعتنا من اجراء الاصلاحات . سألتهم هل تقتل قوات الأمن المتظاهرين العزل . أجاب الجميع بالنفي وأصروا علي أن النظام قد حظر استخدام الأسلحة ضد المتظاهرين.كنت أعرف أنهم يكذبون . ففي خلال ستة شهور في سوريا حضرت أكثر من مئة مظاهرة للمعارضة وتعرضت لاطلاق النار في الكثير منها . وذات مرة كان يقف بجانبي شاب كان يلقي بالحجارة وأطلق عليه النار وقتل .
لكي أسافر بأمان في المناطق الخاصة بالعلويين استأجرت رقيب من أمن الدولة خارج الخدمة اسمه أبو ليث وهو من سكان مدينة ربيعة الواقعة في ريف محافظة حماة . وخلال الفترة التي عرفته فيها لم يكن يأكل بل يدخن النرجيلة في كل فرصة سانحة ودائما ما يجري مكالمات تليفونية لعقد الصفقات فقد كانت مهنته الاخري هي تهريب السجائر . راتبه 17000 ليرة في الشهر .وقال لي "لا يوجد لدينا وساطة في الدولة " وبالتالي ليس في امكانه الحصول علي وظيفة مدنية . "لا نجد عملا الا في الجيش أو الشرطة " . وعن طريق تهريب كراتين السجائر يمكنه الحصول من 1000 الي 1500 ليرة في اليوم . لديه كثير من الاخوة في الجيش والشرطة . عندما كنا نسير بالسيارة في أماكن كان يجهلها كان يسأل الناس كيف يتحاشي المرور في بلدات يقطنها السنة . وفي بعض المناطق كان السكان يصنعون طرقا ملتوية عبر المدن العلوية والمسيحية ويرسمون اسهما علي جدران القرية للاشارة الي القرية التالية حتي يتحاشي سائقي الاوتوبيسات وغيرهم المرور علي معاقل المعارضة . وعندما كنا نقترب من المناطق السنية كان أبو ليث يقوم بحشو مسدسه . وأوضح لي قائلا "حتي لا أضيع هباءا . المهم ألا تضيع هباءا . ". وذكر لي أن حوالي مئة من رجال الأمن في المنطقة قتلوا ومئتين جرحوا وخمسة من أبناء عمومته قتلوا .
أغلب الرجال في ربيعة يخدمون في الجيش أو قوات الأمن في أماكن أخري في الوطن والكثير منهم يعيشون في التجمعات السكنية المخصصة للجيش أو يسكنون في الأحياء العلوية الخاصة بالطبقة العاملة في دمشق الكبري . منطقة القدسية في دمشق بها منطقتين مخصصتين للعلويين احداهما تسمي الورود والاخري أطلقوا عليها اسم الحرس الجمهوري حيث يقطن جنود الحرس الجمهوري . كلا المنطقتين تجاوران الأحياء الخاصة بالطبقة العمالية السنية وكانت هناك مناوشات تقع بين الطائفتين منذ اندلاع الاتفاضة . كثير من المباني في حي الورود أقيمت علي عجل وبشكل غير قانوني علي أراضي الدولة . وتغض السلطات الطرف عن تلك المناطق السكنية الغير رسمية لأن سكانها من أعمدة قوات الأمن . وهنا كما في معظم القري تجد القليل من الطرق المعبدة وندرة الخدمات . وبرغم الاهمال الذي يتعرضون له ظلوا مناصرين للنظام وحراسه المخلصين في الشوارع . كان رجال الأمن الذين يتجولون معي يؤكدون علي الفقر الذي تعاني منه المنطقة ليثبتوا لي أن العلويين لم يستفيدوا من النظام . ‘لم نطلب شيئا ولا نريد شيئا . فقط نريد الأمن ‘.
عندما أخذني أبو ليث الي ربيعة نفسها انتشر خبر وصولنا بسرعة . نظم الآلاف من سكان البلدة مظاهرة عفوية يبدو فيها اخلاصهم الواضح للنظام في وسط البلدة بجوار تمثال لحافظ الأسد يمسك بالسيف وغصن الزيتون . أقيم التمثال الذي دفع ثمنه الأهالي بعد بداية الانتفاضة .خلف التمثال ملصق كبير لحافظ وبشار الأسد وكتب عليه "ربيعة في عرين الأسد " . أخذوني من منزل لمنزل ليتمكن الناس من ابلاغي و عن أقاربهم الموتي والجرحي وعن شهداء ربيعة ال 42 . قلت لمجموعة من رجال المدينة انني سمعت كلاما مماثلا في معاقل المعارضة التي زرتها مثل بابا عمرو في حمص وأنني سمعت روايت مماثلة عن أباء وأبناء استشهدوا .قال عقيد في الجيش قتل ابن أخيه في ادلب "أبناءنا كانوا ذاهبين الي أعمالهم . وهناك فرق بين أن تقتل شخصا يقوم بعمله لصالح البلد وقتل شخص مسلح يحمل السلاح ضد الدولة . هل المتظاهرين السلميين هم من قتلوا الضباط الخمسة عند نقطة التفتيش . " .
طوال العام الماضي كان العلويين في ربيعة يشتبكون مع مع القري السنية المجاورة وفي الصيف الماضي لم يتمكن طلبة المدينة من السفر الي مدينة حماة لأداء امتحاناتهم لأن المعارضة سدت الطريق . واستقرت حوالي ثلاثين أسرة علوية كانت تسكن في احدي القري التي يشكل غالبيتها السنة في ربيعة لأنهم فقدوا الأمان للعيش في قريتهم . وأصيبت تلك العائلات بخيبة الأمل من استجابة الحكومة . وقال لي أحد الأشخاص "لم نكن نمتلك السلاح والا قاتلناهم . كان عليهم أن يرسلوا الدبابات لكن المعارضة سدت الطرقات . نريد من الحكومة أن تحل مشكلاتنا وأن يعيدنا الجيش الي بيوتنا . يجب أن يدخل الجيش القري لكن الجيش مشغول في حماة . لماذا تتمهل الدولة . " اتفق والد أبو ليث وهو جندي متقاعد مع هذا الرأي وقال "الجيش وحده هو القادر علي حل هذه المشكله . فلو قمنا بالرد عليهم بأنفسنا سيعتبرونها عنفا طائفيا وستنضم اليهم القري الاخري للدفاع عنهم وسيتفوقون علينا في العدد." .
ومن ربيعة توجهت نحو الشمال الغربي الي قرية العزيزية العلوية النائية التي اشتبكت مع قرية تمانة السنية المجاورة . وكما هو الحال في معظم القري العلوية كان أغلبية رجال القرية يعملون في الجيش أو الشرطة وكل جيرانهم السنة يدعمون المعارضة وكانت جماعات المعارضة المسلحة تقوم بعمليات في المنطقة منذ الربيع المنصرم . أقرب المدن هي مدينة سلهب التي تحوي المئات من الامهات والاطفال المشردين الذين فروا من القرية . لا يوجد ما يشير الي توقف القتال بين العزيزية وتمانة وفي المدينة وجدت عائلات في حالة هيستيرية . صرخت في وجهي امرأة وصلت مؤخرا الي سلهب "لقد غادرنا تحت طلقات النيران .كرامتنا عزيزة !وقائدنا مكرم وهم خونة .نضحي بكل شيئ لأجل بشار !"
اشتكي لي شخص اخر "طالبناهم بالتعزيزات ولم يرسلوها ." .الكل متفق علي أن العلاقات بينهم كانت وثيقة حتي اندلعت الانتفاضة . قالت لي احدي الامهات " كنا جيران نأكل معا ونذهب الي منازل بعضنا ثم كان التحريض الطائفي . كانوا يخرجون في المظاهرات ويسبوننا ". ورغم شعورهم بخيبة الأمل من عدم قدرة النظام علي حمايتهم - تسمع ذلك في كثير من التجمعات العلوية - كانوا يرغبون في ابلاغي بمدي اخلاصهم لبشار . قالت لي احدي النساء "فليقتلونا جميعا ولو لم يبقي منا الا شخص واحد فسيظل يؤيد بشار ." . يا له من تناقض غريب . فالعلويين يرون أنفسهم أفقر السكان حيث منشأهم في القري المتواضعه وتعرضوا للاهمال الشديد من الحكومة في دمشق ومع ذلك يرغبون في الموت في جماعات لنفس الدولة التي يرون أنها فشلت في حمايتهم .
في الأيام الأولي للثورة تعرفت علي الدكتور يحي أحمد وهو شخصية مؤثرة في واحدة من أحياء حمص العلوية . في تلك الفترة كان شغله الشاغل هو العمل بجانب أصدقاءه السنة للحد من التوترات الطائفية . كنت أجلس علي سطح العمارة التي يقطنها أثناء احدي اللقاءات معه عندما فتح أحد القناصة النار علينا فجأة . لم يصب أحد وكان الدكتور ورفاقه يشكون أن يكون القناصة من جماعة المعارضة المسلحة ويرون أنهم من أنصار النظام المتطرفين . عندما التقينا في أوائل هذا العام كانت الأمور قد ساءت - قذائف المورتر
التابعة للمعارضة أصابت المبني مرتين - وكان يقضي أغلب وقته في المدينة المجاورة .تقريبا كل المحال التجارية أغلقت .وذكر لي أن العلويين كانوا يتعرضون للخطف وأن العلويين كانوا يردون بالقوة . سألته كم قتل من العلويين ؟ فأجاب " القتلي والأعداد ؟ .عقارب الساعة توقفت . وأعداد القتلي لم يعد ذا أهمية " . أصدقائي في المعارضة قالوا لي نفس الشيئ عن قتلاهم .
واصل يحي قائلا " المسلحين يسيطرون علي الأمور وأنا أصبحت مسلحا نتيجة لفشل الدولة في توفير الأمن فأصبح لزاما عليا أن أتسلح . وأنت كشخص علوي لا تستطيع أن تضع كل ثقتك في الدولة . فماذا لو نام الشرطي الموجود في نقطة التفتيش " . لقد تغير موقف يحي . " لو سألتني من عام مضي من يحل محل بشار كرئيس لقلت لك فلان وفلان . لو سألتني اليوم فسأقول لك لن أقبل بغير بشار رئيسا " . لكن كانت هناك نفس الازدواجية التي يجدها المرء لدي كل العلويين . " بشار أضعف من دور الأمن في الحياة اليومية وهذا أحد الأسباب للموقف الموجود فيه " .. أردت أن يعترف لي بالحصيلة الضخمة من القتلي المدنيين التي نتجت عن عمليات القمع . قال لي " الأبرياء يقتلون دائما ولا تستطيع أن تفرق بين الهدف البرئ والغير برئ . هل تعتقد أن هناك سلطة في العالم لن تحمي نفسها ؟ " .
ذكر لي أحد الشخصيات الأمنية البارزة المسؤل عن حمص وأماكن أخري أن ثمانون ضابطا وضباط الصف كانوا معتقلين لارتكابهم ’أخطاء ’ - اعتداءات وفظائع وتعذيب - و 10 منهم سيحكم عليهم بالسجن 15 عاما . هذا التصريح يبدو بلا معني أمام عنف النظام ضد المدنيين . ( فلو قامت أجهزة الأمن بأي مبادرة لتأديب العاملين لما تفشت هذه الجرائم ) .ولم يخطئ العلويين عند شعورهم أن الدولة في حيرة في أمرها لتتدبر أمر حمايتهم نتيجة للغضب الشديد من عمليات القمع التي ترتكبها . فهذا الشعور هو الذي أدي الي زيادة الميليشيات القوية المتزايدة الموالية للنظام الذين يتصرفون دون مساءلة وكأن لديهم حصانة ويسببون الحرج للنظام . هذه الميليشيات هي المسؤلة عن المزابح التي أرتكبت في حمص وحماة .لكن بشار ليس في وضع يسمح له بالتصدي لأنصاره الأشداء والأكثر ولاءا له . وذكر لي مهندس في حمص وهو علوي انضم الي المعارضة أن أول مرة رأي فيها عصابات الموالين في الشارع في مارس 2011 . وقال ‘كانت جماعات عشوائية لم يتم تنظيمها .فقط كانت لديهم نوادي خاصة بهم ولكن في شهر يوليو تم تنظيمهم والان يعملون لحسابهم الخاص . أخطر ما في الحروب الأهلية هم الناس الذين يعيشون علي تلك الحروب ويعتمدون عليها ماليا . رأيت ذلك في لبنان . وفي حمص هناك حرب أهلية مفتوحة . ‘.
في أيام حافظ الاسد كان مصطلح شبيحة يعني المجرمين المنظمين والمهربين الذين يتعاونوا مع اجهزة الأمن وبعضهم كان جزءا من قبيلة الأسد - أخو بشار معروف عنه أنه سحق وسجن عناصر من شبيحة الأسد عندما خرجوا عن السيطرة - وجميع الشبيحة ينتمون الي الطائفة العلوية . وعند بداية الانتفاضة كانت كلمة شبيحة تعني الميلشيات الموالية للنظام وفي بعض الأحيان الموالين للحكومة . ثم بدأنا نسمع في المظاهرات الموالية للنظام أتباع النظام يهتفون :‘نحن الشبيحة .اللعنة علي حريتكم ‘ .يوجد الاف من الشبيحة أو اللجان الشعبية في الأحياء العلوية في حمص كما ذكر لي أحد ضباط الأمن . وقال لي أنهم لا يتلقون أموالا علي أعمالهم ولكنهم يتلقون رواتبهم رغم أنهم لا يذهبون الي أعمالهم . هم يتبعون رؤساء المدن المحليين . وقال وهو يذكر اثنين من الأحياء السنية ‘بامكانهم القبض علي شخص من البيضا أو الخالدية ويسلمهم الي قوات الأمن فهم ينسقون مع الأمن ’
المهندس الذي انضم الي المعارضة كان أكثر صراحة : ’الشبيح هو شخص يحب بشار أكثر من بشار نفسه . الشبيح هو ثقافة وليس شخصا . هو يشعر أنه فوق القانون بل هو القانون نفسه . وبامكان الحكومة الان السيطرة عليهم ولكني لا أعلم هل ستتمكن من السيطرة عليهم في المستقبل . الحكومة تستغلهم الان .الحكومة هي من فعلت ذلك . ' . وأضاف أن العلويين الذين ينضمون للمعارضة يعتبرونهم خانوا الطائفة ..بعض العلويين الذين كان لهم نشاط مع المعارضة في حمص مثله قتلوا علي يد المليشيات الموالية في شهر ابريل 2011 في الميادين الرئيسية لحمص واحدي الاعتصامات التي حوت مزيد من العلويين انتهت بمزبحة علي يد قوات الامن واللجان الشعبية .
ماذا سيحل بالعلويين لو سقط النظام .وماذا سيحل بأنصار بشار ككل هما سؤالان مختلفان . فأنصار بشار يحتوون أقليات أخري غير العلويين ناهيك عن السنة أنفسهم . منذ البداية كانت الحكومة تصرح أن المعارضة تحركها الطائفية وأنها امتنعت عن اظهار الطائفية . ويقول الموالون للنظام أنهم متنوعون بينما المعارضة كلهم سنة تقريبا .ومع ذلك هناك ضباط سنة في وحدات الجيش الرئيسية مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وقد أقر الكثير من المفكرين في المعارضة أنه لو كان المؤيدين للحكومة من العلويين فقط لسقط بشار منذ زمن . ولو تحول هذا الصراع الي صراع بين السنة والعلويين لفقدت الحكومة تأييد السنة ولاكتفت الحكومة بنسبة 10 % من السكان وبعض من تبقي من الأقليات الاخري .
عندما سألت ابو راتب قائد المجلس العسكري في حمص ماذا سيحدث لقوات الامن والشبيحة ومئات الالاف من العلويين المسلحين اذا سقطت الحكومة فقال لي أنني أبالغ في الارقام . وتوقع بوقوع ما أسماه ‘ مذبحة ‘ ولكنه توقع ظهور بديل لبشار من داخل النظام سيحاول الوصول لتسوية . ‘ بشار هو الشخصية المركزية بالنسبة لهم وسينهاروا بمجرد سقوط بشار وسيفقدون الدافع . ‘ . وبعد فترة انتقالية صعبة ستولد سوريا من جديد . ‘ سوريا حرة وعادلة وديمقراطية ‘ . وقال لي أحد شخصيات المعارضة القيادية في دوما أنه يشعر بالقلق من الاقتتال بين القري السنية والعلوية مثل قرية العزيزية وتمانه . قال : ‘ لا نستطيع القول أن لنا الحق في العيش هنا وهم ليس لهم الحق . لكن بعد انتهاء الثورة سيعود العلويين الي أماكنهم الطبيعية . لن يتملكوا السلطة . ‘ .
ليس واضحا ما هو هذا ‘ المكان الطبيعي ‘ .هل يقصد أن يغادروا المدينة ويعودوا الي مناطقهم الريفية التقليدية ؟ هناك جيل جديد من الكتاب السوريين في الغرب يناقشون بالفعل احتمالية اقامة دولة منفصلة خاصة بالعلويين ولكن لم نسمع من العلويين أنسهم شيئا من هذا القبيل . كانت سوريا منذ زمن طويل بالنسبة لهم مشروعهم المركزي وكان جل همهم ترك قراهم سعيا وراء نوع من الحداثة والتطور . الان أصبح جليا أنه سينتهي بهم المطاف الي شكل من أشكال الجيوب التي تتمتع باستقلال زاتي نتيجة للحرب الأهلية يكون للمعارضة اليد العليا فيها ولكن تلك لم تكن أمانيهم . فهم يعتقدون أنهم يحاربون من أجل مبادئ حزب البعث والقومية العربية . وأي دولة علوية ستقام لن تكون قادرة علي الحياة علي كل حال فالمناطق العلوية القديمة لم يكن بها الكثير من الخدمات وفرص التوظيف وستعتمد تلك المناطق علي المساعدات من روسيا والصين .ربما يكون الحل اللبناني في سوريا حيث كل منطقة تدعمها قوي خارجية هو النتيجة النهائية لكنه هدف لا يصبو اليه أحد .
http://www.lrb.co.uk/v34/n18/nir-rosen/among-the-alawites
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق